دعوة لوقف العقاب الجماعي والتجويع الممنهج ضد المدنيين في غزة
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لم تقتصر آلة الحرب على القصف بالصواريخ والطائرات، بل لجأ الاحتلال إلى سلاح أشد فتكًا وأكثر خنقًا للحياة: التجويع الممنهج، كأداة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإخضاعه بالقوة. هذا السلاح، الذي يُستخدم بدعم سياسي وعسكري مباشر من الولايات المتحدة، يجري في ظل صمت دولي مخزٍ، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية، وفي سياق سياسة متعمدة تسعى إلى سحق الكرامة الوطنية الفلسطينية.
ما يحدث في غزة ليس نتيجة عرضية للقتال، ولا يمكن اعتباره “أضرارًا جانبية”. بل هو نهج مدروس، تُنفّذه إسرائيل كجزء من استراتيجية إبادة بطيئة، تعتمد على حرمان السكان من ضروريات البقاء. الغذاء، الماء، الوقود، الدواء — كل ما يُبقي الإنسان حيًا، تم منعه أو تدميره. المخابز قُصفت، الشاحنات الإغاثية استُهدفت، المستودعات الغذائية دُمرت، وكل ذلك ضمن حملة تستهدف قتل الحياة من الجذور.
الدعم الأمريكي لهذا النهج لم يتوقف عند حد الإمداد بالسلاح أو المال، بل امتد إلى حماية سياسية مطلقة في المحافل الدولية. واشنطن استخدمت حق النقض (الفيتو) مرارًا لإفشال أي قرار أممي يسعى إلى وقف العدوان أو فتح ممرات إنسانية. بهذا، لم تعد الولايات المتحدة مجرّد حليف، بل أصبحت شريكًا مباشرًا في جريمة حرب تُرتكب على الهواء مباشرة.
التجويع هنا ليس فقط وسيلة لإضعاف الجسد، بل أداة لإذلال الروح، لترويض شعب اختار الصمود بدل الركوع. الاحتلال يراهن على الجوع أكثر من القنابل، لأنه يدرك أن انكسار الروح عبر حرمان الأطفال من الحليب، والأمهات من الماء، والأسر من الغذاء، قد يُفضي إلى تدمير المجتمع من الداخل. إنها حرب لا تُخاض في ساحات القتال، بل في بطون خاوية وأجساد أنهكها العطش والجوع.
والأدهى من ذلك، أن هذه الجرائم تُرتكب أمام مرأى العالم، في عصر تنقل فيه الكاميرات كل شيء لحظة بلحظة. بينما تلوذ الحكومات بالصمت أو الاكتفاء ببيانات هزيلة، تخرج الشعوب إلى الشوارع، في مظاهرات ووقفات تضامنية تصرخ في وجه هذا الظلم، مطالبة بكسر الحصار، وإنهاء سياسة العقاب الجماعي التي لا تميّز بين طفل وامرأة وشيخ.
ورغم كل هذا، فإن ما يميز الشعب الفلسطيني هو أنه لا ينكسر. غزة، التي حوصرت وجُوّعت وقُصفت، لم تمد يدها للجلاد، ولم تساوم على كرامتها. بل باتت، كما عهدناها، أيقونة للصمود، وصورة مشرّفة لشعب يُصنع من معاناته معنى، ومن جوعه صمود، ومن دمه شرعية لا تُسقطها قنابل ولا تحاصرها قرارات.
نحن في منظمة الدرع الدولية، نؤكد أن ما يجري في غزة جريمة حرب مكتملة الأركان، لا تسقط بالتقادم، ولا يجب السكوت عنها. نحمل الاحتلال الإسرائيلي كامل المسؤولية، ونحمّل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الداعمة له شراكة مباشرة في هذه الجريمة. كما ندعو الإعلام الحر، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل الضمائر الحية حول العالم، إلى التحرك الفوري لفضح هذه السياسات، وكسر الحصار، وإيصال صوت المحاصَرين إلى كل منصة ومنبر.
إن حرب التجويع لن تُخضع شعبًا اختار الكرامة، ولن تهزم شعبًا تمرّس على المقاومة حتى وهو بلا ماء ولا خبز. غزة لا تلفظ أنفاسها الأخيرة، بل تبني في كل لحظة على أنقاض الدمار إرادة جديدة للحياة، وعلى وقع الجوع، تنحت طريقًا نحو الحرية لا يعرف الانكسار.
صادر عن: منظمة الدرع الدولية – بروكسل، بلجيكا – 28 مايو 2025
حرب التجويع: سلاح تستخدمه إسرائيل بدعم أمريكي لإخضاع الشعب ا... was last modified: مايو 28th, 2025 by admin